لا أعلم لماذا في هذا التوقيت من كل عام تهمس بداخلي كلمات أغنية "الحدود" للشاعر عمر بطيشة، والتي تغنت بها فرقة "الأصدقاء" في ثمانينيات القرن الماضي. ربما لأن كلماتها أوجزت بكل براعة رحلة الطيور المهاجرة وما يكمن بداخلها من مشاعر شتى.
ومع بلوغ شهر أغسطس منتصفه، نكون على موعد مع حزم الحقائب؛ إنه موسم عودة المغتربين إلى رحلتهم الشاقة مع الغربة.
حقائب تحمل أكثر من مجرد أمتعة
تبدو المهمة لمن هم خارج التجربة هينة وبسيطة، ولكن إذا تمعنت في تفاصيلها ستدرك مدى مشقتها. فالأمر لا يتلخص في مجرد حزم الأمتعة والأغراض الشخصية، بل هو أكبر من ذلك بكثير.
يتمنى المغترب في تلك اللحظة لو يتمكن من حزم شيء من كل شيء؛ تكمن بداخله رغبة ملحة في الاحتفاظ بكل التفاصيل، وكأنها محاولة لإحكام قبضته على الزمن كي يمنعه من التسلل. وإن تسلل الوقت، فقد حمل في جعبته الكثير من الذكريات العالقة في القلب قبل الحقائب.
لحظة الإقلاع: مواجهة مع الذات
ليست لحظة الوداع هي الأشق، ففي تلك اللحظات ينشغل الذهن بإتمام إجراءات السفر والتنقل. لكن اللحظة الأقسى على الفؤاد تبدأ عندما تتخذ الطائرة أولى خطواتها نحو التحليق عاليًا.
عندما ينفرد المسافر بنفسه، تبدو الحياة صامتة رغم كل ما حوله من ضجيج، ويشعر بالوحدة رغم زحمة البشر. يبدأ شريط استرجاع اللحظات المميزة التي قضاها في إجازته بالمرور سريعًا أمام عينيه، وتغدو الرؤية ضبابية بسبب عبرات يحاول جاهدًا حبسها كي لا ينفضح أمره أمام الآخرين.
صور نابضة بالحياة وحنين للوطن
يحمل هاتفه ويبدأ في الترحال بين اللقطات التي سجلها؛ في تلك اللحظة لا تكون الصور مجرد مشاهد ساكنة، بل أطيافًا نابضة بالحياة. كل لقطة تحمله إلى مكان يستنشق عبيره، ويتردد بداخله صدى حديث أصحابه وضحكاتهم.
تنقضي رحلة الطيران سريعًا، ليتفاجأ بارتطام عجلات الطائرة بأرض المطار؛ ذلك الارتطام الذي يجبره على الاستيقاظ والعودة إلى أرض الواقع، ليعود مرة أخرى كترس يدور بكل ما أوتي من قوة في عجلة الحياة الشاقة.
انتظار يتجدد مع كل تقويم
ينتظر المغترب كل مساء ليستخرج من بين أمتعته شيئًا يحمل رائحة الوطن وأحبابه، ويتطلع إلى التقويم مرددًا في صمت كلمات ربما لا يقتنع بها فؤاده، لكن يجبره عليها عقله وتقوده إليها المسؤوليات الجسام: "ليس هناك أسرع من الأيام، وسرعان ما سنعود مرة أخرى يا عزيزي!"
لتظل رحلة الطيور المهاجرة تحمل من المشاعر الإنسانية ما تعجز الحروف عن التعبير عنه كاملًا.


[email protected]
رؤية صادقة جداً لحال كل المغتربين..
هون الله عليكم صعب الغربة
حسبُنا الله ونعم الوكيل في كل من كان سبباً فيها
حفظكم اعزكم اكرمكم اسعدكم الرحمن الرحيم
فى رحلتكم التى لا مفر منها