في عتمة البدايات، وقبل أن تلامس أولى أنفاس الحياة وجه الأرض، وُلدت الأساطير؛ تلك الحكايات الأولى التي حاولت تفسير ما استعصى على الفهم، لنقل البشرية من الفوضى إلى النظام. وحين استتب الأمر واستقام، توالت أسئلة الإنسان: كيف نشأ الكون؟ ومن أين انبثقت عناصره الأولى؟
كانت هذه التساؤلات الوقود الذي أشعل خيال الحضارات القديمة، فانطلقت تروي قصص الخلق والنشأة كحقائق روحية تعكس صدى قلوبها وعمق ثقافاتها. وفي قلب الحضارة المصرية، تقف أساطير النشأة شاهدًا على رؤية الإنسان القديم للخلق؛ ابتداءً من “نون” الذي يخفي في ظلامه أولى بذور الحياة، وصولًا إلى ولادة الآلهة وتنظيم الكون عبر قوة الكلمة والفكر المتمثلة في خلق “بتاح” للكون في عقيدة منف.
لكن الثابت هو أن الأسطورة لم تكن تُروى بعبارات جامدة، بل كانت تُنشَد مصحوبة بترنيمة تنبض بالحكمة والعمق؛ إيمانًا من المصري القديم بأن الأساطير هي سيرة الآلهة ووسيلة الخطاب معهم. لهذا نسج المصري خيوط أساطير آلهته حسب رؤيته لهذا العالم، لتبقى أبدية كالطمي الذي يُخصب الأرض، وكالشمس التي تمنح الحياة.
وفي هذا اللقاء الأول، ستبدأ رحلتنا مع بعض الأساطير التي دونها المصري في بردياته، ونقشتها يده على جدران الأبدية.
تعدد أساطير الخلق: تنوع مراكز الفكر
يرى عالم المصريات أوجين كروز-أوريبي أن أسباب تعدد أساطير الخلق في مصر القديمة يعود إلى أن الديانة المصرية كانت محلية بطبيعتها؛ فلكل مدينة أو منطقة معبودها الراعي، وكانت المعابد تُقام في المواقع التي يُفترض أن الخلق قد تم فيها. وبناءً على ذلك، كانت كل مدينة تروي قصة الخلق بحيث يكون معبودها الرسمي هو الخالق الأول.
وحسب هذا الطرح، نجد أربع نظريات رئيسية لنشأة الكون: مذهب “أون” (هليوبوليس / عين شمس)، مذهب منف، مذهب الأشمونين (هيرموبوليس)، ومذهب طيبة.
1. أسطورة الخلق في هليوبوليس (عين شمس)
تُعد أسطورة الخلق في مدينة “أون” إحدى أقدم وأعقد النظريات حول نشأة الكون في مصر القديمة. وقد مثلت جزءًا أساسيًا من العقائد المصرية، حيث اهتم كهنة أون بتأسيس مذهب يشرح كيفية انبثاق النظام من الفوضى، وخروج النور من قلب الظلام، مما جعل هليوبوليس مركزًا روحيًا وعلميًا للفكر الكوني عبر التاريخ.
يذكر عالم المصريات إريك هورنونج أن هذه الأسطورة: “لم تكن مجرد قصة خيالية، بل فلسفة عميقة تعكس فهم المصريين القدماء لكيفية نشوء النظام من الفوضى.” ويؤكد الباحث يان أسمان أنها: “مثلت الإطار الذي تطورت داخله مفاهيم السلطة والنظام، حيث عكس التكوين الكوني أهمية التوازن في المجتمع المصري.”
كما تشير بعض النصوص في معبد الشمس بهليوبوليس، والتي يعود تاريخها إلى الدولة القديمة، إلى أهمية هذا التصور. ويذكر عالم المصريات جيمس هنري برستد أن هذه النصوص تصف “أتوم” بأنه أوجد ذاته بذاته واستخدم قدرته الفائقة للخلق.
تأسيس عقيدة “رع-أتوم”
يرى الباحثون أن “أتوم” -سيد السماء والإله الخالق لمدينة هليوبوليس- قد اتحد مع إله الشمس “رع” على أيدي الكهنة، ليعرف فيما بعد بـ “رع-أتوم”، متوجًا عقيدة قوية قوامها إله الشمس وقدرته على الإيجاد.
وتذكر النظرية أن الأصل في العالم كان المحيط الأزلي المخيم بالظلام “نون”، ومن “نون” برز إله الشمس فوق تل أو ربوة مباركة حين انحسر الماء عنها (والتي يقع موضعها الرمزي في حي المطرية بالقاهرة اليوم). وظهر الإله على تل حجري هرمي الشكل يُعرف باسم “بن بن”، والذي أصبح فيما بعد رمزًا مقدساً لإله الشمس.
“التاسوع المقدس” وشجرة العائلة الكونية
بعد الظهور الذاتي لـ “رع-أتوم”، أخرج من ذاته الإلهين “شو” (إله الهواء) و”تفنوت” (إلهة الرطوبة). وبدورهما أنجبا “جب” (إله الأرض) و”نوت” (إلهة السماء). ومن اتحاد الأرض والسماء، ولد الجيل الثالث المكون من أربعة آلهة: أوزيريس، إيزيس، ست، ونفتيس.
هؤلاء الآلهة الثمانية، بالإضافة إلى “أتوم” الخالق الأول، شكلوا ما يُعرف بـ “التاسوع المقدس”: الجد الأكبر أتوم (الخالق الذاتي)؛ الأبناء شو (الهواء) وتفنوت (الرطوبة)؛ الأحفاد جب (الأرض) ونوت (السماء)؛ وأبناء الأحفاد أوزيريس وإيزيس وست ونفتيس.
يعكس هذا النسب نموذجًا كونيًا متوازنًا ومترابطًا يتسق مع الترتيب الطبيعي للعناصر الأساسية في الوجود، ممثلاً فكر المصري القديم في تنظيم العالم وسريان الحياة فيه.
كانت هذه هي نظرية الخلق في “أون”. وفي اللقاء القادم، نتابع رحلتنا لنستكشف باقي نظريات النشأة والتكوين في مصر القديمة.

