سلسلة مقالات #من_دفتر_كاتب_جريمة
في إحدى حفلات توقيع الكتب، اقترب مني قارئ وسألني سؤالًا لم أنسه حتى اليوم:
— «الشخصية دي… أنت قابلتها في الحقيقة، صح؟»
ابتسمتُ وقلت له: «لا.»
بدا عليه عدم الاقتناع، وكأنه متأكد أن هذا الشخص يعيش بيننا بالفعل!
وهنا أدركتُ أن الشخصية الروائية تنجح حقًا عندما ينسى القارئ أنها وُلدت على الورق.
كيف تُولد الشخصية الروائية؟
كثيرون يعتقدون أن الكاتب ينسخ شخصياته بالكامل من الواقع، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا؛ فالشخصية الجيدة لا تكون نسخة طبق الأصل من شخص واحد، بل مزيجٌ نسيجيّ من ملامح متعددة:
- طريقة حديث لشخص قابلناه يومًا
- خوف دفين لدى شخص آخر
- قرار خاطئ اتخذه أحدهم في لحظة ضعف
- جزء صغير مسكوب من روح الكاتب نفسه
بين الواقعية والتأثير النفسي
ما يجعل الشخصية حقيقية ليس كمالها، بل إنسانيتها: تخطئ، تتردد، تكذب أحيانًا، وتندم في أحيان أخرى. قد تتخذ قرارًا نرفضه أخلاقيًا، لكننا نفهم تمامًا الدوافع التي أدت إليها.
لهذا السبب، نتذكر بعض الشخصيات لسنوات طويلة بينما تبهت أحداث الرواية نفسها؛ فنحن لا نتعلق بالحبل الدرامي بقدر ما نتعلق بمن عاشه.
الكاتب لا يسأل نفسه فقط: «ماذا ستفعل هذه الشخصية؟»، بل يسأل أولًا: «لماذا ستفعل ذلك؟»
الإجابة عن هذا السؤال هي الفارق الجوهري بين شخصية تتحرك لخدمة الحبكة، وشخصية حية تقود الرواية بنفسها.
فراق الشخصيات بعد كلمة «النهاية»
ربما لهذا السبب نمر بحالة من الشعور بالفقد عند نهاية بعض الروايات؛ ليس فقط لأن القصة انتهت، بل لأننا نودع أشخاصًا اعتدنا وجودهم بين صفحات الكتاب، حتى وإن كنا نعلم أنهم لم يوجدوا يومًا خارج خيال الكاتب.
في النهاية، تبقى الشخصيات الناجحة هي تلك التي تجعل القارئ يرى جزءًا من نفسه فيها… أو يخشى أن يراه.

