تتعدد المعجزات في القصص القرآني، لكن قصة سيدنا موسى عليه السلام وعصاه تحمل أبعادًا إيمانية وفلسفية عميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان.
الحكمة من السؤال الإلهي
حين تجلى الله سبحانه وتعالى لنبيه وكليمه موسى عليه السلام، سأله عن العصا التي يمسكها بيده، فجاء رد سيدنا موسى تلقائيًا ومفصلًا بأنها عصاه التي يستند عليها، ويرعى بها غنمه، ويستخدمها في مآرب أخرى متعددة.
قال تعالى في كتابه الكريم:
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَوَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾ (سورة طه: 17-18)
وبلا شك، فإن الله عز وجل—الذي لا تخفى عليه خافية—لم يكن بحاجة إلى ذلك السؤال ليعرف ما بيد موسى، فهو يعلم الإجابة قبل أن ينطق بها نبيه. إنما نحن من يحتاج إلى تدبر الحكمة من هذا الحوار الإلهي والوقوف عند معانيه.
التخلي والطاعة قبل المعجزة
عندما أسهب سيدنا موسى في ذكر منافع العصا ومدى اعتماده عليها، أمره الله سبحانه وتعالى أن يلقيها. استمع موسى للأمر الإلهي ونفّذه فورًا دون نقاش أو تردد، ودون تفكير في كيفية تدبير شؤونه بعد التجرد من عصاه التي كانت عونه وسنده.
تخلى سيدنا موسى عن عصاه طائعًا لله، فتجلت نتيجة هذه الطاعة في أن جعل الله في تلك العصا معجزات شتى:
- التحوّل إلى معجزة: تحولت إلى حية تسعى التهمت حبال وعصي سحرة فرعون، مما جعل السحرة يخرون سُجّدًا لله إيمانًا بقدرته.
- شقّ البحر: شق الله له بها البحر لينجيه ومن آمن معه من بطش فرعون وجنوده.
ففي التخلي تجلٍّ: رسالة المقال
على الرغم من أننا جميعًا نعرف قصة سيدنا موسى وعصاه، إلا أن البعض قد يغفل عن الحكمة الحقيقية التي أراد الله أن نتدبرها؛ وهي أن معجزة العصا لا تقتصر على زمن النبي موسى فحسب، بل هي رسالة لنا جميعًا: إن تجلي الأهداف لا يتحقق إلا عندما نتخلى عن التوكؤ المفرط على الأسباب المادية، ونتحلى بالإيمان المطلق بأن المستحيل يتحقق إذا أراد الله.
وكما قال جلال الدين الرومي: «ففي التخلي تجلٍّ».
إن أدرك المرء هذا المعنى العميق، فهم أن سلاحه الحقيقي في الحياة لا يكمن في الاتكاء على أي عصا بشرية أو سبب مادي، وإنما بالاعتماد والتوكل على الله وحده؛ خالقنا وخالق كل الأسباب.

