الفكرة والوقت الهارب
ماذا لو أن ممتحنًا ظل يراقب أوراق امتحان أقرانه، حتى وإن لم تكن نيته الغش من أحدهم، بل مجرد التأكد من أنهم يجيبون عن الأسئلة إجابات صحيحة، دون أن يولي الوقت المحدد للامتحان أي أهمية؟ أليس من المحتمل أن ينتهي ذلك الوقت المحدد دون أن يكون قد أجاب عن جميع أسئلته؟ أليست النتيجة في النهاية هي رسوبه الحتمي، حتى وإن كان طالبًا مجتهدًا في أصله؟
الإنسان العاقل لا يهدر وقت امتحانه في مراقبة غيره، بل يصب تركيزه في ورقته قبل أن ينتهي الوقت.
ظاهرة مراقبة الآخرين وحشر الأنف
كذلك بعض الناس في هذه الحياة الدنيا؛ يمضون جل أوقاتهم في مراقبة غيرهم، وإصدار الأحكام على تصرفاتهم وأفعالهم، وحشر أنوفهم الغليظة في تفاصيل حياة الآخرين والتفتيش في نواياهم. بل إنهم يخوضون في البحث الدؤوب عن زلاتهم للتنظير عليها، دون الالتفات إلى أنفسهم وما يعتريها من علل بشرية، وكأنهم منزهون عن كل عيب ونقص.
وبدلاً من محاولة إصلاح عيوبهم وتغيير ما بأنفسهم من هنات وزلات، يوجهون سهامهم للنيل من غيرهم بجهالة يُحسدون عليها، وبغفلة تامة عن حقيقة أن لكل امرئ في هذه الدنيا امتحانه الخاص وظروفه المعيشية، التي وإن تشابهت ظاهريًا مع البعض، إلا أنها تختلف جوهريًا في عناصرها وتفاصيلها.
اختلاف القدرات والوعي الجمعي
فلا يمكن بأي حال من الأحوال تعميم الأحكام على الناس فيما يتعلق بردود أفعالهم تجاه المواقف المختلفة، ولا في كيفية تعاطيهم مع أزمات الحياة، ولا قدراتهم على تحمل الأوجاع والهموم وتأثيرها عليهم.
فكل ذلك لا يمكن إخضاعه لأحكام عامة يشكلها الوعي الجمعي، وإنما لطبيعة كل فرد، وكيفية تنشئته، ومعتقداته، وقدرته على التكيف مع مختلف المواقف والظروف من عدمها.
العبور بسلام نحو الضفة الأخرى
إن الإنسان العاقل لا يهدر وقت امتحانه في مراقبة غيره فيموت في النهاية همًا وحسرة ويسقط في اختباره، وإنما يصب تركيزه كاملاً في ورقة امتحانه قبل انتهاء وقته؛ يراجعها من حين لآخر، ويصحح أخطاءه، ويُحسن صياغة إجاباته عن الأسئلة التي خطتها له أقداره.
إنه يعيد حساباته في كل مرحلة من مراحل عمره كي يجتاز اختباره النهائي، ويعبر بسلام إلى الضفة الأخرى من الحياة حيث لا سبيل للإعادة… فإما نجاح أبدي، وإما سقوط حتمي في الهاوية.

